: الرئيسية » مقالاتي » يعرفها أغلب فقراء مصر وعديمي الواسطة أمسيات ساخنة معتادة في ثلاجة المباحث

يعرفها أغلب فقراء مصر وعديمي الواسطة أمسيات ساخنة معتادة في ثلاجة المباحث

 مشهد أول : العاشرة مساء ” عودة بعد عناوين الاخبار “

المذيع يبتسم إبتسامة جادة ” تتناسب مع الوقار الذي يرتسم على وجهه ومع البدلة الرمادية الانيقة التي يرتديها ” وهو يوجه سؤاله إلى المسئول الامني الكبير :-

سيادتك ، نحن نعلم جميعا أن الشرطة تغير دورها كثيرا عن الماضي ، فلم يعد المواطن يخشى أو يشعر بخوف حينما يتوجه لأحد أقسام الشرطة ، لقضاء مصلحة أو تقديم شكوى ، ولكن ، ماذا تقول عن بعض الدعايات المغرضة التي تسيئ الى دور هذا الجهاز الوطني مثل إدعاءات التعذيب و تجاوزات بعض الضباط في حق المواطنين ؟

المسئول الامني الكبير : “يتنحنح أولا “

في الحقيقة أن دهشتي لا تقل عن دهشتك ، فقد أصدرنا أوامر وقرارات إلى كافة أقسام ومراكز الشرطة ، بتحسين معاملة المواطنين من قبل ضباط الشرطة ، ويتم تحقيق فوري في أي شكوى تصل إلينا عن أي تجاوز يجري ، حتى أن المواطن أصبح يشعر أثناء وجوده أنه في منزله الثاني ، حيث الجميع في خدمته ، وأدخلنا الكمبيوتر في الكثير من أقسام الشرطة ، ولا يتم التغاضي عن أي مخالفة تتم ، ولعلك تقرأ عن إحالة بعض الضباط الى المحاكمة نتيجة تجاوزاتهم ضد المواطنين ، ونحن نفعل ما بوسعنا لنجعل أدائنا جديراً بحضارة سبعة آلاف سنة ……!!

في نفس الوقت ” خارج البلاتوة ، والاستديو ، وجهاز التليفزيون كله ” أمام قسم شرطة ..

الأم ترتدي جلباب اسود ، وتنقل الشنطة البلاستيك من يد الى أخرى ، تفرك اليد التي تخلصت منذ ثواني من ثقل الشنطة ، لتشعر ببعض الدفئ في هذا البرد القارص ، عيونها مسلطة على باب القسم ، تدعو الله من قلبها أن تكون السيارة الهيونداي التي تعبر باب القسم هي سيارة رئيس المباحث ، تصيح في ابنها بغضب لماذا لم يرتدي بلوفر تحت الجاكت حتى لا يشعر في البرد ؟!

يصيح ابنها ذو الخمسة عشرة عاما أنه غير بردان ، ويكمل حواره مع فتى أخر عن مبارة الزمالك الأخيرة ، دون أن يرفع عيونه عن فتاة في نفس عمره تقف مع أمها ، وتبادله إختلاس النظرات ، يتحرك قليلا حيث حجب أحد المنتظرين مثله أمام القسم فتاته عنه ..

فجأة يهرع الجميع إلى باب القسم مخترقين الشارع حيث يقفون على الرصيف المقابل ، يصيح عسكري الحراسة فيهم بصوت مرتفع يحمل كل ملامح السلطة : مش هوه ، مش رئيس المباحث ، يللا اقفوا بعيد عن الباب ، البيه المأمور زمانه جاي ..

يعود الجميع ، العشرات بخطوات ثقيله الى الرصيف الاخر من الشارع حيث كانوا يقفون .. يتلكأ البعض ، مقدمين سيجارة الى العسكري في محاولة لإنتزاع كلمات مشجعة إنسانية وموافقه على جعلهم يدخلون القسم ، علهم ينجحون في مقابلة أحد الضباط ويقنعونه بدورهم أن يسمح لهم بإدخال الطعام والسجائر لقريبهم المحتجز في القسم !! يتناول العسكري السيجارة ، ويبتسم حين يشعر بيد تدس في جيبه بعض المال ، .. والله يا جماعة احنا ما عاوزين نمنع حد ، بس الاوامر كده !!

ضاعت السيجارة والجنيهات دون نتيجة ..

يعود المتلكأين الى حيث الاخرين الذين كانوا يرقبون محاولاتهم بشي من الترقب ..

يصيح أحدهم في رفيقه ، ده الواد كان بيجيب دوا من الاجزخانة لما المعاون خده من الشارع !!

يقاطعه صوت سيدة تدعو بحرقه أن يحرق الله قلب هذا المعاون ..

وصوت أخر يسأل عن نتيجة الاتصال بالمحامي وحيجي إمتى عشان يدخل يشوف رجب ” أي رجب” .

وبين الجميع ، أمين شرطة ، يتفاوض لزيادة المبلغ المتفق عليه ليتدخل شخصيا للافراج عن سيد المحتجز من يومين ، وهو يؤكد لعم حسين والد سيد إنه حيرحمه من لفة الكشف في المديرية وحيقول للباشا رئيس المباحث أنه قريبه من بعيد …

يصيح عم حسين مؤكدا ، ما هوه زي اخوك يا حضرة الأمين وبرضه لك الحلاوة بعد ما يطلع !! أحد الواقفين يشعر بغضب شديد ويحرض مرافقيه على إرسال تلغرافات لوزير الداخلية إن هشام محبوس في ثلاجة المباحث من ثلاثة أيام من غير ذنب ،، غضبه يمتزج بخوف ، أن ينفذ مرافقيه نصيحته ويرسلون التليغرافات ، فيلفق رئيس المباحث سيجارة بانجو لهشام ، وتصبح البهدلة أشد ، فعلها رئيس المباحث لـ عبدالمنعم ومحمود وابراهيم من قبل !

الحادية عشرة مساء ” في القسم التاني ” أي قسم شرطة ..

حيضربونا تاني ؟ سأل عماد زميله ، بحجز المباحث المعروف بالثلاجة ، والذي تعرف عليه عصرا في سيارة الميكروباس التي حشدهم بها معاون المباحث بعد أن – لمهم من الشارع – أجاب زميله ، مش عارف بس قوله أنك طالب في دبلوم تجارة ووريه البطاقة .

أجاب عماد أن امين الشرطة خد منه البطاقة وهوه بيشتمه قبل ما يدخلوا الحجز !

يتدخل شاب ثالث في الحوار قائلا بلهجة مؤكدة وعارفة بالامور ، يا عم ضرب الحكومة مش عيب !! يصل للجميع بالحجز صوت معاون المباحث يأمر أمين شرطة بأن : هات العيال اللي عندك يا اسماعيل . يصيح فيهم اسماعيل : تعال ياد انت وهوه هنا .

يخرجون جميعا ، نحو 27 شاب ورجل وبينهم حوالي خمسة عمرهم بين الطفولة والشباب .

يقفون جميعا انتباه ، بعد خروجهم ، يسب البيه معاون المباحث عصام الذي كان يبكي أثناء وقوفه ..

ثم يصيح الباشا معاون المباحث : فين أيمن عبد العظيم ، يرد أيمن والخوف يكاد يقتله أفندم ، فيأمره بأن يقف على جنب لوحده .

ويرى أيمن شخص يلبس بدله متواضعه ينظر ناحيته ويبتسم ، فيستبشر خيرا .

يخرج الباشا رئيس المباحث من مكتبه ، فيجد الواقفين انتباه صامتين وينظرون له ، اغلبهم يشعر بالانكسار ، وأقلهم يمتزج خوفه بغضبه برغبته في التحدي .

يصيح على أيمن أنت واقف هنا ليه ، فيميل عليه الباشا المعاون هامسا ولكن بصوت مسموع ، ده الواد اللي فاروق باشا كلمك بالتليفون عنه من شويه وباعت الاستاذ ده – ويشير لصاحب البدلة المتواضعه- عشان ياخده ..

يصيح الباشا رئيس المباحث إديهوله ، ثم موجها كلامه لأيمن مش عايز اشوف وشك هنا تاني ، والى الاستاذ ابو بدله متواضعه الذي اتسعت ابتسامته ، سلم على فاروق باشا وقوله أي خدمه .

يتدخل شخص يقف منزويا ، سائلا الباشا رئيس المباحث : أنا سواق الميكروباس يا باشا ، ممكن أمشي حضرتك ؟

ينهره الباشا قائلا ، مستعجل ليه يا روح أمك ؟ عندك الديوان ؟

يلتزم السائق الصمت متصنعا الابتسام .

فين الواد بتاع الجامعة ؟ يسأل الباشا .

يتقدم أحد أحد الواقفين انتباه ، من القلة التي تشعر بالغضب والخوف ورغبه في التحدي ..

-انت في كليه ايه ؟ يسأله الباشا ؟

– في كلية الاداب . يجيب الطالب .

– كنت بتعمل ايه في القهوة يا روح أمك ؟ يسأل الباشا

– ملكش دعوة بأمي .. صفعة على القفا يرن صداها وشتائم أشد !!

ساعة بساعة :

الحادية عشرة والربع ، انتهى البرنامج التليفزيوني الذي تم التأكيد فيه على صدور أوامر وقرارات بحسن معاملة الجمهور في أقسام الشرطة .

الواحدة والربع صباحا .. مازال الأهالي يقفون امام القسم في انتظار خروج أبنائهم واصدقائهم من القسم الذي احتجز أغلبهم دون وجه حق .

مزاج الباشا رئيس المباحث متعكر ولم يستطع أمين الشرطة أن يحدثه عن قرابته لـ سيد نظير الثلاثين جنيه ، لكن هذا لا يعني ان يعيد الثلاثين جنيه ، فقط وعد بأنه سيحاول مرة أخرى .

طالب الجامعة تخلص من شعوره المؤقت بالتحدي نتيجة عدة صفعات على القفا وركلتين وبعض السباب من المعاون وأمناء الشرطة .

الحادية عشرة صباح اليوم التالي ، تقرر النيابة الافراج عن تسعة من الذين تم عرضهم عليها مالم يكونوا مطلوبين على ذمة قضايا أخرى .

الحادية عشرة مساء ، الكثير ممن كانوا موجودين بالأمس يقفون أمام قسم الشرطة – على الرصيف المقابل – مضاف اليهم أهالي ومعارف بعض المحتجزين الجدد .

نفس حوار المحتجزين في الثلاجة مع اختلاف في التفاصيل ، حول أمين الشرطة أبو إيد “طرشه” و مين معاه فلوس يعرف يلاغي بيها ، ومن عنده واسطه .

برنامج تليفزيوني عن الانجازات والنهضة والانتماء !!

تعليق :

صورة متكررة ، دائما امام أقسام الشرطة ، جمهور من الفقراء ، يحملون فقرهم على اكتافهم ، وحقائب تحتوي على أطعمة وسجائر وعلب عصير ، والبحث عن تليفون ميناتل ، للاتصال بمحمول واسطة . وتفكير في استثمار اللحظة من قبل بعض أمناء الشرطة .

شعور السلطة الذي ينتاب العساكر ، فقط ، في مواجهة أهالي المحتجزين .

مصير العشرات من المحتجزين الذي يتوقف على حالة الباشا رئيس المباحث المزاجية ، قد يكون بعضهم متهم ويخرج لأن مزاج الباشا عالي أو لديه واسطة جيدة ، وقد يكون بعضهم ” وأغلبهم كذلك ” برئ لديه امتحانات أو بحاجة لأجره عن هذا اليوم الذي ضاع منه فقط لأن المعاون “لمه ” في الميكروباس أو البوكس ، ولا يخرج عشان شكله مش عاجب الباشا ، او لان مزاج الباشا مش عالي ، أو لأنه طلب يتعامل كويس .

ويشعر الكثير بالرضا الشديد لو انه خرج بعد منتصف الليل بعد أن ناله فقط صفعة أو صفعتين ، وبعض السباب ، لا يهم ، بل وقد يذكر محاسن الباشا لانه جعله يعود لمنزله دون أن يجعله يبات بالقسم واكتفى بتلك الصفعات وشوية الشتيمة .

هؤلاء هم المحظوظين ، في عرف من يقضون أمسياتهم أمام أقسام الشرطة أو بداخل الاقسام ، من يقتصر وجودهم في داخل ثلاجة المباحث على ست أو سبع ساعات وبعض الصفعات أو الشتائم ، دون أن يقضي ليلته داخل حجز النوبتجية أو حجز المباحث المسمى بالثلاجة ” حيث موقفهم مجمد لحين النظر في تقرير أمرهم من قبل الباشا رئيس المباحث أو الباشا معاون المباحث او الباشا أمين الشرطة أو أي باشا ، حيث كلهم باشوات ” و طبعا ومهما كنت متشائما فسوف تعتبرهم محظوظين ، فهل يعقل أن يخرج فقير من القسم دون أن يبيت فيه ولو ليله رغم أنه فقير وليس لديه واسطه وقد اقتصر الامر على بعض الصفعات والشتائم وكام جنيه لزوم شاي أمين شرطة هنا أو صول هناك أو عسكري واصل .

وتمر الايام على هذا المنوال ، أمسيات ساخنة لمن يقضون لياليهم بداخل الثلاجة ، وباردة لمن ينتظرون خروج هؤلاء خارج القسم ، وقرارات تتلى مشفوعة بابتسامات على شاشة التليفزيون ، وبأحرف بارزة على صفحات الجرائد .. ولا يعكر تلك الامسيات أو يخل بوتيرة الرتم الثابت ، سوى أن تصدق أن تلك القرارات لها علاقة بالواقع ، أو ان تظن أن احتجاز رجل أو شاب ليلة او بضع ساعات وبعض الشتائم المصحوبة بكام صفعة على الوجه أو القفا شئ غير إنساني أو غير قانوني وضد حقوق الانسان …

يعني الدنيا اتهدت لما غاب له يوم أو يومين في القسم ؟

نقص دراع أو عين لما خد له كام صفعة ؟

هيه الشتيمة يعني لزقت فيه ؟

لسه مش مقتنع ” أكيد فيه قلة منحرفه غير مقتنعه” !!

أمسية واحدة من تلك الامسيات كافية لإقناعك .

جمال عيد

صيف 2002

 

أضف تعليق

التعليقات المنشورة تعبر عن أراء كاتبها, ولا تعبر بالضرورة عن موقف “جمال عيد
POWRED BY WORDPRESS, DEVELOPED BY : ANHRI

Scroll to top