: الرئيسية » حوارات » المقابلة | جمال عيد

المقابلة | جمال عيد

حرية الصحافة ، تضليل الصحافة و الكوبونات التونسية

جوي سليم

القاهرة | رغم كل التضييق الذي يعاني منه بعد التحفظ على أمواله ومنعه من السفر وإقفال المكتبات العامة التابعة للشبكة، يرى المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، جمال عيد، أن «حاله أفضل» من كثيرين آخرين في عهد هذه السلطة. الهستيريا التي طاولت منظمات المجتمع المدني في مصر بعد «30 يونيو» خفّت حدتها قليلاً على المستوى الشعبي أخيراً، على الرغم من استمرار السلطة في محاولة وضع اليد على عمل المنظمات، الأمر الذي تُرجم بقانون للجمعيات لا يزال معلقاً بانتظار توقيعه من قبل رئيس الجمهورية.

تساؤلات عدة عن عمل هذه المنظمات، عن التمويل الأجنبي، و«الشبهات» التي تحوم حوله، ونظرة الناس إلى العمل الحقوقي عموماً، طرحتها «الأخبار» على عيد في القاهرة

 

■ كيف تصف المشهد الحقوقي في مصر اليوم خصوصاً في ضوء مشاريع القوانين الجديدة وفي مقدمتها قانون الجمعيات؟

المشهد الحقوقي من وجهة نظري يشبه أوضاع المشهد الحقوقي في ليبيا تحت حكم القذافي، ولكن من دون وجود نفط وأموال القذافي. في عهد القذافي، كان هناك مجتمع مدني، لكنه كان يكتفي بالتهليل للانتهاكات. إن ترجمنا هذا الواقع إلى أرقام، نجد أنها الأسوأ في تاريخ مصر الحديث.

أنا محامي وأعمل في هذا المجال منذ نحو 30 سنة، ولم أرَ أسوأ من هذه المرحلة، سواء من جهة عدد الصحافيين والإعلاميين في داخل السجون، والذي يبلغ اليوم 50، أو لناحية القوائم السوداء لإعلاميين ممنوعين من الظهور في الإعلام الخاص أو الرسمي، وهي قائمة ضخمة.

هناك قوائم المعارضين والحقوقيين الممنوعين من الظهور في الإعلام.

هناك 19 سجناً تم بناؤها في ثلاث سنوات. هناك الإخفاء القسري، الذي توقف في الدول التي كانت ذات تاريخ في هذا الشأن مثل أميركا اللاتينية أو المغرب، واعتذرت عنه. في مصر، لا أحد ينكر وجود الاختفاء القسري، لكنهم مختلفون فقط على تحديد الأرقام. المجلس القومي يقول إن عدد المُخفَين قسراً 122، فيما تقول وزارة الداخلية إن الرقم أقل من ذلك. الحقوقيون يقولون إنه بالمئات.

الاختلاف ليس على المبدأ إذاً. هناك أيضاً المحاكمات غير العادلة. كذلك تم مؤخراً إدراج أكثر من 1500 شخص على قوائم الإرهاب، وتم اتخاذ تدابير ضدهم، بعضهم لا يعرفون أنهم على القائمة. فكأن الأحكام تصدر، ثم يتم البحث عن التهمة. أضف إلى ذلك حكم بإعدام 529 في جلسة واحدة، ثم حكم آخر بإعدام 682 في جلسة واحدة أيضاً. كذلك، مناخ التحريض والكراهية في دولة يتنافس إعلاميون فيها على التسريبات وانتهاك حرمة الحياة الخاصة والقانون.

كل هذه أمثلة توضح التردي في حالة حقوق الإنسان، حيث يمكن القول إن المشهد الحقوقي والإعلامي أسوأ من أيام مبارك.

 

■ أين أصبح «قانون الجمعيات» الذي وافق عليه البرلمان؟

هناك نواب يسألون السؤال نفسه، هل هو في الدُرج أم عند رئيس الجمهورية؟ المعلومة غير متاحة في هذه الدولة، الأمر الذي يفتح المجال للاجتهاد أو لنشر الأخبار الكاذبة. ما سمعته قد يكون صواباً أو خطأً، وهو أن القانون وصل إلى الرئيس الذي وجد أن القانون «بوليسي زيادة عن اللزوم»، خصوصاً أنه جلس مع جمعيات كبرى تتحكم في مليارات، مثل جمعية «رسالة»، وغيرها.

هؤلاء اشتكوا وقالوا إنهم لن يستطيعوا العمل في ظل قانون كهذا.

من جانب ثانٍ، القانون مكتوب بشكل شبه فاشي، في حين يبحث الرئيس عن مصداقية ومشروعية في الخارج، وقد لاقى انتقادات هائلة بسبب القانون. كذلك، هناك أجنحة تتصارع داخل الدولة، إذ إن الثورة المضادة مكوّنة من أجنحة، لذلك وقع القانون مكانك سر. القانون نائم في الدرج حالياً. هذه معلوماتي وقد تكون خاطئة.

 

■ لقد صدر في حقك قرار بمنع السفر، ومنع التصرف بالأموال، إلى جانب إقفال مكتبات «الكرامة» العامة، والتابعة للشبكة. هل هذا التضييق مستمر؟

أنا لم أُدهش بحملات التشهير التي تعرضت لها، ولا بالمنع من السفر ولا بالتحفظ على الأموال. فنحن في دولة بوليسية بيحكمها ثورة مضادة وبتعادي حقوق الانسان، فهذا طبيعي.

لكن هناك ما يمكن وصفه بـ«الفُجر»، وهو الذي ترجم بإغلاق المكتبات، حيث إن القرار لا يضرّني أنا بل آلاف العمال والقراء. والكتب أغلبها كان من دور نشر جيدة مثل الشروق والياسمين وغيرهما، وكذلك من وزير الثقافة وفنانين ومذيعين «فلول»، من الذين يرون أن جمال عيد «لسانه طويل» ولكن لا يمتنعون عن التبرع بكتب. المؤسف أنهم أغلقوا المكتبات فيما مصر مرشحة في الوقت نفسه لإدارة اليونيسكو.

 

■ ماذا كانت الذريعة؟

لا يوجد ذريعة. حتى الآن لم نُخطَر بسبب إقفال هذه المكتبات. هناك تهديدات جاءتني عبر الهاتف، وبعد ذلك أغلقوا المكتبات. وهناك صحافيون نبهوا من أن مصر تقفل مكتبات مع أنها مرشحة لليونيسكو.

حتى إن الوزيرة السابقة مشيرة خطاب، المرشحة لمنصب مدير اليونيسكو، زارت المكتبات في زيارة هي أقرب إلى تفتيش، فلم تجد ما يدين المكتبات، وسألتني عن سبب الإقفال إذاً. والمسؤولون في اليونيسكو سألوا عن السبب. الحكومة رفضت أن ترد لنا المقتنيات والكتب من داخل المكتبات.

 

■ وقرار منع التصرف بأموالك ما سببه؟

قرار منع التصرف هو أحد إجراءات ثلاثة يتخذها قاضي التحقيق أو النيابة. قد يتخذ قاضي التحقيق قراراً بحبس احتياطي على ذمة التحقيق، أو يمنع من السفر، أو يمنع من التصرف بالأموال. القرارات هذه تحصل بعد التحقيق حتى يكون عنده قرائن على الأقل وليس أدلة. لكن أنا لم أُستدعَ أصلاً، ولم يتم التحقيق معي ولم يتم إبلاغي بشيء. واستند القاضي في قراره هذا إلى أسباب كتبها ضابط في أمن الدولة، من دون أن يحقق معي. فهو مثلاً قال إنني تلقيت أموالاً من «هيومن رايتس ووتش». وهو لم يبذل جهداً أصلاً، ولم يسأل ليعرف أن «هيومن رايتس ووتش» ليست مؤسسة تمويل.

 

■ لقد قلت إن الوضع حالياً أسوأ من أيام مبارك، ولكننا نرى اليوم الناس يعبّرون ويتكلمون في السياسة أكثر من قبل، في الوقت الذي نجد فيه مثلاً في معظم دول الخليج صمتاً شبه تام، حيث يخاف المواطن أن يفكر بينه وبين نفسه في السياسة.

هذه من الأشياء التي انتزعها الناس في ثورة «25 يناير». الناس تذوقت طعم الحرية خلال الثورة، وأصبح عدد المهتمين بالشأن العام كبير، لأنهم شعروا أن هذا البلد لهم.

الثورة الحقيقية تمّت داخل الناس. نحن كحقوقيين نتعرض لهجوم وتشهير، حتى ولو كان ذلك أقل مما شهدناه عام 2013 مثلاً، ولكنني مسرور بمن يهاجمنا أكثر من الذين لا يعلمون شيئاً عن الموضوع.
موضوع الخليج مختلف لأنها دول وممالك خوف.

ولكن مع ذلك هناك أصوات تخرج. فخليج الآن ليس كخليج التسعينيات. هذا يُترجم بأرقام سجناء الرأي في هذه الدول. وهذا دليل على أن هناك مقاومة، لأن الخانع لا يُقمع. هناك حركة، مع أنها ليست واسعة. وهذه الدول تقدم رفاهية معينة في المعيشة، حيث إن الناس التي لا تستطيع أن تتكلم، تستطيع أن تأكل. لكن هنا، لا نجد خبزاً ولا حرية.

وفي رأيي إن سبب هذا الوضع في الخليج هو السعودية. فهذه الدولة المعادية للديموقراطية، ليس فقط في داخلها بل في المنطقة كلها، وهي المدعومة وفقاً لمصالح معينة من الولايات المتحدة، تدفع بثقلها لتحجب شمس الحرية عن العالم. مملكة الظلام هذه متورطة في العالم كله، وهي العدو الأول للحريات في العالم العربي.

 

■ ذكرت قبول الناس للحقوقيين وعملهم مختلف الآن عمّا كان عليه في الأعوام الماضية، كيف؟

في عامي 2013 و2014، كان هناك «إخوان» أجرموا وكانوا حلفاء الثورة المضادة، ولأن المعادلة أصبحت «لا صوت يعلو فوق صوت القتل»، كان هناك هستيريا في الشارع. ونتيجة الخوف من «الإخوان» و«الخوف على الدولة»، كان هناك هجوم على كل من ينتقد أو يفتح فمه، انتظاراً للدولة الآتية، الدولة المدنية. لكن هذا الدولة لم تأتِ، فيما ازداد الإفقار.

ورغم طلب التفويض لمحاربة الإرهاب، الإرهاب مستمر. وقال «أنا لو ينفع أبيع نفسي»، فيما باع أرض الوطن. الناس مش أغبياء. وهنا بدأ الناس يرون الأمور على حقيقتها، ويقدّرون عملنا. جزء من اتهامنا أننا شاركنا في «ثورة يناير»، وهو ما نفتخر به. ولكن نحن لا نزعم أننا قدنا الثورة مثلما يقولون، نحن كنّا مثل الناس، فهو (الرئيس) حين يتهمنا بهذا، الناس لم تنسَ «يناير»، وهم يعلمون من الذي يدافع الآن عن المظلوم بغض النظر عن هويته. نحن نختلف طول الوقت مع «الإخوان»، ولكن لن نتواطأ على دمهم، فلقد سقط في 12 ساعة أكثر من الذي أريق في حرب تموز في 33 يوماً. في 12 ساعة قتل 800 إنسان. وهو ما لا يمكن أن نتواطأ عليه.

والناس رأوا أن موقفنا لم يتبدل. طبعاً أنا أتحدث عن الحقوقيين المستقلين لا الفاسدين. نظرة الناس إلينا اليوم وتعاملهم معنا يذكّراننا بتعاملهم معنا في عامي 2011 و2012.

نحن كنا صوت الناس وبينهم وكانوا فخورين بنا، وهذا ما يحصل الآن.

 

■ إلى أيّ مدى أعادت قضية تيران وصنافير ثقة الناس بالقانون من جديد؟

ما حدث في تيران وصنافير هو واقعة تشبه واقعة حدثت في 2007، حينها كنا نتكلم كثيراً عن التعذيب المنهجي في مصر، لكن الناس لم يصدقوا ذلك. كان هناك واقعة شهيرة جداً في ذلك الوقت، اسمها «واقعة تعذيب عماد الكبير» على يد ضابط وصوّرت فيديو، وشهدت انتهاكاً جنسياً.

حينها استطاع المدوّنون مع الحقوقيين أن يصلوا إلى الضابط ويحاكموه، ما نبّه الناس إلى أن الحقوقيين لا يبالغون. ما حصل الآن هو أن الحقوقيين مع فصائل ديموقراطية وسياسية، استعادوا بعملهم الأرض. هذا جعل الوضع كالآتي: «الخونة رجّعوا الأرض، والوطنيون باعوا الأرض». نحن أيضاً من جلب حكم الحد الأدنى للأجور، ونحن من أعاد الشركات أو بعضها إلى القطاع العام، والحقوقيون هم من دافع عن صحافيين.

دافعنا عن أحمد موسى، بعد إيقاف برنامجه، رغم اختلافنا معه.

ودافعنا عن أكثر من 800 صحافي، بعضهم من الذين يهاجموننا. نحن لا ندافع عن الشخص بل عن القيمة. تيران وصنافير كانت حجراً إضافياً في بنيان الثقة مع الحقوقيين.

 

■ تحدثت منذ فترة عن تحريض «الإخوان» والكراهية التي يبثونها. ومن لا يعرفكم يتهمكم بأنكم تفيدون «الإخوان» بطريقة ما عبر هجومكم على السلطة…

هذا ما تقوله الدولة. أما اتهامات «الإخوان» لنا، فهي أنه ما دامت الدولة «سايبانا»، يعني ذلك أننا جزء من الديكور، رغم أننا دافعنا كثيراً عن ضحايا لم يهمنا إذا كانوا من «الإخوان»

أو لا. المشكلة في الإخوان أن كل من ليس معهم هو عليهم. ونحن عرضنا كثيراً أن ندافع عنهم. فكانوا يقولون إن «هؤلاء علمانيون» وليسوا معنا. وطبعاً هم محترفو شماتة وكراهية. هم فقدوا الأمل في رجوع مرسي، لذلك أصبحوا في انتظار ما يعكر الآخرين، والآخرون بالنسبة لهم سلة واحدة. ومؤيّدو السلطة الحالية يرون أننا ندافع عن إسلاميين، فيقولون إننا «إخوان» أو «خلايا نائمة» أو «طابور خامس». فأنت بين نظام عسكري رجعي، وتنظيم يميني رجعي. والاثنان معاديان للحريات. لكنني سعيد لأن الاثنين خصومي.

 

■ هناك رأي في العالم العربي يقول إن عمل الحقوقيين، المنظمات تحديداً، هو عمل مشبوه، وهناك أناس يتهمونهم بالعمالة لدول أجنبية، بما أن تمويلهم أجنبي. كيف يردّ الحقوقيون على هذه الاتهامات؟

العمل الحقوقي هو مهنة، ولكن مهنة إنسانية. ومثل كل المهن، هنالك أطباء فاسدون يسرقون أعضاءً أو يقومون بعمليات غير قانونية. وكما هنالك محامون يبيعون موكليهم، هناك حقوقيون فاسدون. هل هذا يعني أن نلغي مهنة الطب أو نلغي المحاماة؟ أو نلغي فكرة حقوق الإنسان برمّتها؟ الصحيح في هذه الحالة ألا «نداري غسيلنا الوسخ».

الدولة تستخدم موضوع التمويل الأجنبي لإثارة الناس، خصوصاً في الشق القومي والعروبي. هم يقولون إن الحقوقيين «عندهم أجندة»، وهذا صحيح. الأجندة تعني الأهداف، والمسألة تكمن في ما إذا كانت هذه الأهداف «شريرة أو طيبة». أجندتنا هي سيادة القانون، واحترام حرية التعبير.

أنا ضد السجن في قضايا النشر، ومع حرية الاعتقاد. مثلاً، شركة كوكا كولا تموّل مشاريع معينة، حين تكون الراعي الرسمي، لتنمية بعض القرى، أو شركة فودافون حين تقوم بحملات تبرعات لمستشفيات وغيرها. هذا أيضاً تمويل. ولكن تمويلنا يصبح مشكلة لأنه يهدف إلى كشف انتهاكات أو انتقاد مسؤولين.

لكن التمويل بحد ذاته ليس مشكلة. من جهة أخرى، من الخطأ إنكار أن هنالك تمويلاً أجنبياً أيضاً. أنا مع الشفافية وأن نقول إن هناك منظمات فاسدة فعلاً. ولكن يجب أن يكون هنالك كشف على جميع المنظمات، في مقابل أن تتعامل الدولة أيضاً بشفافية.

كل مؤسسة من حيث المبدأ تسعى إلى تمويل محلي، وإذا لم تنل ذلك، فإنها تتلقى تمويلاً من مؤسسات دولية غير حكومية، مع ضرورة أن تعلن مصدره وحجمه وأوجه إنفاقه.

 

■ ولكن لماذا ترتبط غالبية المنظمات الحقوقية في بلادنا بمنظمات غربية؟

هذا ليس صحيحاً. المنظمات المستقلة تأخذ تمويلاً من مؤسسات دولية غير حكومية، لأن التمويل العربي غير المتاح أصلاً، وجهه الثاني التواطؤ، ذلك قبل الثورة وبعدها.

ستجدين أن أغلب التمويل الذي أتى كان لمجموعات سلفية غير حكومية، وجاء من دول كالإمارات والكويت. سيف الإسلام القذافي كان يملك شبكة حقوقية مشكلة من منظمات أردنية ومصرية وحقوق إنسان وأموال هي عشرات أضعاف ما يمكن أن تأخذه أي مؤسسة غير حكومية دولية. العربي قد يكون موجوداً، لكن يمنحه بشرط التواطؤ. أنا أعمل مع منظمة دنماركية غير حكومية، وفي الوقت نفسه كنّا أول من أدان الرسوم الكاريكاتورية مع دفاعنا عمّن رسمها.

في هذه الحالة، التمويل ليس شرطاً لعدم الانتقاد.

 

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

أضف تعليق

التعليقات المنشورة تعبر عن أراء كاتبها, ولا تعبر بالضرورة عن موقف “جمال عيد
POWRED BY WORDPRESS, DEVELOPED BY : ANHRI

Scroll to top