أخي/ عبد الفتاح السيسي

الراسل: يحيي حسين عبدالهادي

الأخ/ عبد الفتاح السيسى (وستظل أخاً رغم ما كان) .. تحيةً طيِّبةً، وبعد ..

نادراً ما أحلفَ .. مكتفياً كالأخوة المسيحيين ب(صَدِّقْنِى) وهى عند الرجال قَسَمٌ .. فصَدِّقنِى فيما أقول .. واسمعها كلمةً لوجه الله والوطن فقط ..فليس عندك ما أرغبُ فيه .. وليس عندى ما أخاف عليه (بعد أن استودعتُ اللّهَ أُسرتى ونفسي).

أخى .. طالت سنوات الحبس فى سجونك بكل ما فيها من ألمٍ .. لكن هذه السنوات العجاف لم تُشَّوِه نفسى ولا لَوَّثَتْ مشاعرى .. فلم أشارك آلاف المعتقلين دعاءهم عليك أن يُصيبك في أحبابك مثلما حرمتَهم من أحبابهم .. واكتفيتُ بهذا الدعاء الذى لم أتجاوزه (اللهم إنى أَكِلُ إليك أمرَ من ظلمنى .. اللهم اِهْدِهِ .. فإنْ لَمْ تَهْدِهِ فَهدُّه) .. وكان رجائى دائماً أن تتحقق الأولى لا الثانية.

أخي .. لعلك تعلم أنني قلتُ لِمَن سألنى عن شعوري وأنا أخطو أولى خطواتى خارج بوابة السجن: (إنَّ مَنْ أَفرَج عَنِّي هو مَن حَبسَنًي .. فلا فَضْل ولا شُكْر) .. ولكن صَدِّقني أنني ما إنْ وَصَلْتُ إلى داري التي أَخْرَجْتَنِي منها بغير حقٍ إلا أن أقولَ رَبِّىَ اللهُ لا أنتَ، حتى نسيتُ تماماً مقولةَ مانديلا الشهيرة (قد نغفر لكن لا ننسى)  وتَلَبَّسَتْنى مقولةُ إبراهيم ناجى:(فتَعَلَّمْ كيف تَنْسَى .. وتَعَلَّمْ كيف تمحو) .. وتَحَوَّلَ الحِنقُ إلى تَسَامُحٍ .. والتسامُح إلى شفقةٍ، بل دعوتُ لك بالمغفرة وألاَّ تفعلَ بك الأيامُ مثل ما فعلتَه أنت بى .. وأضفتُ إلى لاءَتَيْ السابقتين لاءً ثالثةً: (لا فضل، ولا شُكْر .. ولا مرارة).

صَدِّقْنِى يا أخى .. لقد نسيتُ ما وقع بى من ظلم .. ومَحَوْتُ ٤٠ شهراً من الألم .. محاها الله .. وسامحتُك وعَفَوْتُ عنك فيما يخُّصُني .. أعفَيْتُكَ من حمولتى (وهى مهما ثَقُلَت خفيفة) .. لكن فِيما يخص مصر والمصريين، فذلك ما لا أستطيعه ولا أمْلِكُه .. فإذا كانت الأُخُّوَةُ قد دَفَعَتني للتسامح فيما يخُّصُني، فالأُخُّوَةُ نَفْسُها تدفعني لأمانة النُصح فيما يخص الآخرين .. ولا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيك إن لم تسمعها.

أعرف أن الطبيعة البشرية لأيِّ جالسٍ في بُرجٍ عاجِّيٍّ تستثقل تَلَّقِي (النَصيحة) من أهل السُفوح ..  لكن لعل ما يخفف وطأتها عليك أنها تأتي من زميلٍ يكبرك بتسعة شهور وسَبَقَكَ في الانتماء للقوات المسلحة .. ثم إنني لا أملك (بِغَّضِّ النظر عن تَقَّبُلِكَ أو رفضك) إلا أن أُصارحك بها، خشيةَ أن تُحاجَّنِي أمام الله بأنني كَتَمْتُها عنك.

أخي عبد الفتاح .. في صدر كُلٍّ مِنَّا شيطانٌ ومَلاكٌ يتنازعان إلى أن يَحين الأجل .. وأنا أُراهن على المَلاكِ فِيك أن يُنصتَ وأن يستجيب مهما كان الكلامُ قاسياً .. يقول الإمام شمس الدين التبريزي (مَنْ أراد هَجْرَكَ وَجَدَ في ثُقْب الباب مَخرَجاً .. ومن أراد وُدَّكَ ثَقَبَ في الصخرة مدخلاً) .. وها أنا ذا أَثقُبُ في الصخرة مدخلاً للوُدِّ ولكن بطريقتي التي لا أعرف غيرها .. الصراحة التي نحتاجها .. فكلانا على مشارف السبعين .. وهي سِنٌّ يَلهثُ فيها العاقلُ لتصفير مشاكله مع العِباد قبلَ أن يَلقى ربَّ العباد.

أخي .. لم تَعُد بحاجةٍ لمن يُسمِعُك ما تُحِّبُ فما أكثر هؤلاء حولك .. لكن ما أحوجَك لمن يُسمِعُك ما لا تُحب .. ما أحوجك لسماع صوتٍ صادم لكنه صادق .. ما أحوجك لمن يُهدى إليك عيوبك.

الهموم كثيرةٌ ووقتُك ثمينٌ، لذلك سأقتصر في حديثي إليك على موضوعين اثنين فقط:

الموضوع الأول: ما يُسَّمَى بالانتخابات الرئاسية، وهُنا تقتضي الأمانة أن أُحَّدِثَك بِجَّدٍ عن شئٍ يعرف الأطفال فى حوارينا أنه الهزل المُجسد .. ولِسان حال المصريين هذه الأيام يقول بمزيجٍ من الأسَى والسخرية (أينما تُوَّلُوا فثَّم وجه السيسى) .. فصُوَرُك تحاصرهم أينما ذهبوا وتُطِّلُ عليهم من أعمدة الإنارة والإعلانات وجوانب التكاتك والحافلات .. هل تُصَّدِقُ يا اخي هذا التأييد الكاذب؟ .. أَلَا تعلم أن أجهزتك قامت بإجبار عشرات الآلاف من أصحاب المحلات على تعليق هذه اللافتات؟  .. فضلاً عن مسيرات ومؤتمرات المبايعة من مواطنيك المقهورين بالتهديد أو العوز أو كشوف الحضور والانصراف أو جمع البطاقات أو الكراتين (أو كل ذلك معاً) ..  كيف تُصَّدِق أنهم يؤيدونك عن حُبٍ لا عن رعب؟! .. وهل صَدَّقْتَ قبل ذلك أنَّ جحافل البلطجية المُتراصِّين أمام مكاتب الشهر العقاري لمنع استصدار التوكيلات لمُنافِسِك هم من المُتَّيَمين بِحُبِّك؟.

مصرُ تَسخر مما يحدث وتكتُم ضحكتَها ولا تُسمِعُك إلا ما يُرضيك ولا يُؤذيها .. وأُعيذك ساعة الحساب (آجلاً أو عاجلاً) أن تكون أولَ المُحاسَبين .. ولن تجد عندها أحداً من هؤلاء المنافقين المجرمين حولك .. سيكونون مشغولين بالرقص لغيرك، فولاؤهم للمنصب لا لشاغله. إن مصر يا أخي بلدٌ عجوز .. بمعنى الحكمة لا الخَرَف .. ومِنْ طول معايشة المستبدين، واتِّقاءً لبطش الفرعون وقوته الغاشمة، استنبط المصرىُ نظريته الخالدة (أَسْمِعْ الفرعونَ ما يُحب .. وافعل أنت ما تُحِّب) .. ما الذي يجبرك يا أخي على أن تكون هذا الفرعون؟ .. سَمِعْتُكَ تُكرر (تُؤتِي المُلْكَ مَنْ تشاء) بمنطق أَنَّ المُلْكَ دليل رضا الله .. لا يا أخي .. إنَّ الله لا يَقصُرُ عطاءَه على الصالحين فقط، فهو يؤتي المُلكَ للبَّرِّ والفاجر والصالح والطالح والعادل والظالم .. ويُحاسِب على الاداء. هذه المهزلة باطلةٌ قانوناً وحرامٌ شرعاً .. فهي خليطٌ من التزوير والنفاق والقهر والكذب واحتقار الشعب الكريم وإهدار المال العام والخاص .. فما الذي يجبرك يا أخي على حَمْلِ وِزرِها؟. تَخَّفَفْ. الموضوع الثاني: المُعتَقَلون بأوامر منك أو من مرؤوسيك (ولا يُنَّبِئُكَ مِثْلُ خبير).. واسمح لي أن أنقل إليك يا أخي (بدافع الإشفاق لا المزايدة) مشاعر خيبة الأمل التى تنتاب الكثيرين بعد جرعة الأمل التى توهموها بإعلانكم عن ما أسميته بالحوار الوطنى وأن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للوطن قضية .. فقد تَضَّخَمَ الملفُ بدلاً من أن يُغلَق .. وأَتَّعَجَبُ كيف يَغمضُ لك جَفْنٌ وتَخْلُدُ إلى النوم دون أن يؤرقك وجود مظلومٍ واحدٍ محرومٍ من حُرِّيَتِه وتَحُولُ أسوارُكَ بينه وبين أحبابه؟ فما بالُك وهُم بالآلاف .. كيف لا تَصِلُ إلى مسامعك تَأَّوهاتُهم؟ أَلَا يُرعبُكَ أنها واصِلَةٌ لِمَن ائتمنك عليهم؟ .. ظنِّى (وليس كل الظن إثماً) أن نَفْسَكَ أو بطانةَ السوء قد حدَّثَتْكَ بأنك لستَ بحاجةٍ إلى أن تُفرج عن كل من حبستهم .. الحقيقة أن حاجتك لعفو ضحاياك عنك، أكثر من حاجة ضحاياك لعفوك .. إنَّ الله يقبل التوبة من عباده .. وتوبتُك من هذه الخطيئة الكُبرى لن تُكَّلِفَك إلا سطراً واحداً لعل الله يقبل .. فلماذا لا تَفعل؟!. أخى .. أَمَا آنَ لك أن تعفوَ عن نفسك .. وتتخفف مما يثقل كتفك من عذابات آلاف المظلومين وأُسَرِهِم .. تَخَّفَفْ يا أخى .. فالحِملُ ثقيلٌ، والحسابُ عسيرٌ، والساعة قريبة ..

صديقُك مَن صَدَقَك لا مَن طَبَّلَ لك.

**************

رسالة من المهندس يحيى حسين عبدالهادي، المعتقل سجين الرأي السابق والمتحدث السابق للحركة المدنية الديمقراطية يكتب رسالة الي السيسي

في الجمعة 8ديسمبر 2023