: الرئيسية » مقالاتي » الإسلام الأخر

الإسلام الأخر

حتى بداية ثورة 25يناير ، كنت قد فقدت الشعور بالدهشة والاندهاش من ممارسات نظام مبارك الديكتاتوري ،

لم أكن لآجد أي فعل أو ممارسة له مستغربة أو مستبعدة عنه ، مهما رأها البعض غريبة أو مثيرة للدهشة.

رحل مبارك ، وعاد لي الأمل والشعور الطبيعي بالاندهاش من أي حدث أو ممارسة تبدو غير منطقية أو مجافية لطبيعة الأمور .

لم أجد بنفسي القدرة على مشاركة الألاف من المصريين في هتاف” الجيش والشعب ايد واحدة” ، لكني اندهشت من حجم الجرائم التي مارسوها ، بدءا من فض اعتصام التحرير بالقوة عقب رحيل مبارك بأقل من اسبوعين ، ومرورا بكشوف العذرية وتحويل المتحف المصري الى سلخانة تعذيب وصولا الى باقي جرائم الطرف الثالث ، التي تخبرنا خبرة الدول التي مرت بظروف شبيهة بظروفنا أن أجهزة الامن والسلطة العسكرية كانوا هم الطرف الثالث.

إندهاشي حاليا ياتي من تصور وثقافة نشأت عليها ، ان الاخوان أو الجهاديين أو المنتمين للتيار الاسلامي بشكل عام ، حتى حينما يلجأون للعنف ، فإن لسانهم يبقى مهذبا وكلماتهم تبقى طيبة.

وبمعنى أخر أنهم قد يستخدمون العنف بأيديهم ، لكنهم يبقون أصحاب كلمات طيبة ودعوة حسنة.

لكن ما اشاهده اليوم وأسمعه ، يصيبني ليس فقط بالدهشة ، ولكن بخيبة الأمل!

الدهشة مما اسمعه على لسان بعض رموزهم ، وخيبة الأمل في قصور رؤيتي وتحليلي لطريقة جهادهم. بعد توليهم السلطة.

الأمر ليس قاصرا على شخص أو أشخاص معدودين ، ليمكنهم التعلل بأنها نماذج أو حالات فردية ، بل اصبحت قاسما مشتركا بين الكثير من رموز التيار الاسلامي ، ويستوي في هذا الاخوان والسلفيين والجهاديين ، شتائم وتكفير ، وإتهامات بالعمالة، وأكاذيب تختلق ، وتجريح في الاعراض والسمعة.

الأمر لا يقتصر على قناة فضائية واحدة ، بل العديد من القنوات التي تنتمي ادارتها للتيار الاسلامي ، ايضا فما ينشر على شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت ، لا يقتصر على قلة من المستخدمين ، بل يتسع ليشمل اعداد هائلة من المناصرين للتيار الاسلامي ، سواء على تويتر أو فيس بوك أو تعليقات القراء على الاخبار المنشورة على مواقع الصحف والمواقع الاخبارية.

مازلت مندهش من هذا الاسلوب في الحوار والخطاب الاسلامي ، ولا يمكن التعلل بأن حالة الاستقطاب الحادة ، قد ولدت هذا النوع من الخطاب ،سواء نتيجة لشدة الصراع والخلاف مع التيار المدني ، او كرد فعل على مغالاة بعض المدنيين في الاساءة لأنصار التيار الاسلامي.

فالمدنيين ليسوا أصحاب خلفية أو مرجعية واحدة تملي عليهم التحلي بقيم ومبادئ متطابقة ، فمنهم اليساري والقومي والليبرالي والعلماني ، لذلك فلا يمكن أن نضعهم في سلة واحدة ونعمم عليهم نفس المعايير.

أما الاسلاميين وإن اختلفت رؤاهم ، فجميعهم يزعمون أن الخلفية واحدة وهي الدين الاسلامي ، لذلك فإن ما اراه في خطاب الكثير منهم ومنهجهم يجعلني أشعر أن إسلامهم مختلف عن الاسلام الذي جاء به النبي محمد.

اسلام النبي محمد جعله عف اللسان وداعية للكلمة الطيبة والموعظة الحسنة ، وإسلام الكثير منهم سباب وتجريح وقذف.

إسلام النبي محمد جعله صادق في وعوده ، لا يكذب ، ويجعل خصومه يخجلون من أدبه ، وإسلام هؤلاء يجعلهم سليطي اللسان ودعاة تفرقة وأنصار للتكفير ومغمضي العين عن الأخطاء.

أرفض العنف واقف ضده تماما ، وإن كنت اتفهم لجوء البعض له ، بزعم الدفاع عن العقيدة أو الدين ،، لكني أندهش من لجوء أنصار هذا الدين أو ذاك باللجوء للسباب والتجريح والتلفظ بشتائم لا تطرق الاذن سوى في المجتمعات السفلية ، بالتعارض مع قيم هذا الدين والتناقض مع ما يدعو اليه.

بالفعل أفضل أن اظل مندهشا ، من وجود إسلامين ، بدلا من أن أصدق انه اسلام واحد  يقوم بعض اتباعه ومن يزعمون أنهم من دعاته بهذه الكوارث التي يكفي أحدها لأن يثير كراهية الاخر ، اي اخر ، ضد هذا الاسلام.

جمال عيد

====

النص العربي لمقال جريدة الدايلي نيوز في 17ديسمبر 2012

أضف تعليق

التعليقات المنشورة تعبر عن أراء كاتبها, ولا تعبر بالضرورة عن موقف “جمال عيد
POWRED BY WORDPRESS, DEVELOPED BY : ANHRI

Scroll to top